من منطلق أن كلّ تجربة إنسانية لا بدّ وأن تكون ذات فائدة، وأن لكلّ منا أن يعبّر عن رأيه بحرية وأن الإنسان سوف يبقى غيورا على صحّته مهما كان الثمن، فإنني أقول بادئ ذي بدء: نعم للحوار حول الحجامة. ولكن لا بدّ وأن أقول أن الإنسان بحاجة ليعرف ما هو عقليّ ومنطقي وكذلك ما لا ينتمي إلى المنطق في شيء..
و من رأيي أن نحجم عن الحجامة ولو لحين ... حتى يتّضح علميا ما يمكن أن يفيد فيها
هكذا هو الإنسان... نعرف مليونا من خلاياه العصبية وكيف تشتغل، ونجهل الاثني عشر مليونا أخرى... وأريد بالطبع أن أحاول الإجابة عن محاور لي فيها بعض المعرفة.
الصحة ليست حكرا على الأطباء: هذا ما تذكره منظمة الصحة العالمية وبصفتي عضوا خبيرا بهذه المنظمة يمكنني أن أصرّح بهذا وأقول أن الصحة ليست ملكا لأحد وأن الجميع يشتركون في الأمر. أي بإمكان الجميع أن يسهموا في هذا الموضوع بالرأي والحجة. والعلم سوف يكون علما إذا ما اتفق عليه الجميع وأصبح نافعا للجميع. فلا يمكنني أن أقول أن هذا الدواء ( VIOX ) مثلا أضرّ ببعض الأمريكان وبالتالي وبما أنني لست أمريكيا فإن موانعه لا تنطبق إلاّ عليهم . دواء أضرّ يصبح مضرّا لبني آدم قاطبة، ودواء نفع فهو ينفع الجميع. وإن كانت توجد فوارق لعناصر البشر الذين يعيشون على أديم الأرض، فالفوارق لا يمكن أن تكون إلاّ بسيطة جدا. وما هو ليس بالعلم يمكن أن يفيد وقد لا يفيد والمطلوب ألاّ يضرّ، ولكنّه ليس علما، وسوف يبقى من قبيل ماشئتم أن يسمّى... ولن أدخل في التفاصيل. وبما أن الصحة للجميع وأنّ الطبّ الحديث وغيره لا يعالج كلّ الأمراض، فالحديث في هذه المواضيع سوف لن ينتهي... والمهمّ أن يدلي كلّ متدخّل بالتوضيح الضروري وأن يتحلّى بالنزاهة، فعليه واجب إعلام المريض بما قد يفيد وما قد يضرّ...
ليس كلّ ما يقوله كلّ طبيب صحيحا
الأطباء آدميون بمثل غيرهم تصيبهم الأمراض بمثل غيرهم والموت كذلك : وقد يخطؤون القول ويخطؤون في كتاباتهم وغير ذلك وقد يدّعون بما ليس لهم ولا يملكونه. ولا تخلو مهنة من نقد ولا يخلو إنسان من احتمال الخطإ، ولا تخلو فئة من المجتمع لا تتدخّل في شؤون عديدة وحتى الذي ليس لها ومنها ولا ينتمي إليها. وبما أن صاحب المقال المطوّل والأخير ذكر لنا مصر وسوريا للإدلاء ببعض الحجج فإنني سوف أقدّم الحجة من هذين البلدين الشقيقين.
مارس سنة 2000، كنت في طريقي لحضور مؤتمر طبي بالعاصمة المصرية واستوقفني مقال في جريدة الأهرام يذكر بالحرف الواحد أن طبيبا مصريا أستاذا في الجامعة قد اكتشف دواء ناجعا لمرض السيدا. فما كان مني إلاّ أن انتقلت إلى دار عمادة الأطباء بالقاهرة، وبحسن نية، بحثا عن عنوان الزميل. واكتشفت آنذاك أن هذا الزميل الفاضل معرّض لتهكّم من لدن زملائه ونقد لاذع وأشياء أخرى لا يمكنني أن أذكرها احتراما... وأنّ أقواله سوف تجيب عنها العمادة بكلّ دقة وموضوعية وهو ما فعلت، وأن عقوبات سوف تسلّط على أستاذنا الفاضل، و...و.... تحيا مصر حين تصحّح الطريق... لا يكفي لطبيب سوريّ أن يقول كذا ليصبح ما يقوله حقيقة، مهما علا شأنه ومهما أضيف له من ألقاب أكانت له أو لم تكن، لأنّي أعرف تماما ما كان قدّم هذا العلامة محمد أمين شيخو من نظريات حول الحجامة... وتلك قضية أخرى... ويمكن النقاش حول جدوى الحجامة في أمراض وحالات معيّنة بين الأطباء المختصّين في الأمر، ولهم أن ينشروا ما توصّلوا إليه بصفة علمية دقيقة وألتزم شخصيا بنشر أيّ مقال علميّ في الموضوع، انطلاقا من وضعي كناشر ومن وضعي كعضو في أغلب المجمامع العلمية ومؤسسات الترجمة والنشر
التناقض واضح جلي في المقال الأخير: فمن جهة نجد أن صاحب المقال يذكر في الملاحظة الثانية من مقاله: #علما بأن تاريخ الحجامة يعود إلى أقدم العصور ومارسها الصينيون وقدماء المصريين حيث وجدت لها نقوش في جدران مقبرة الفرعون المصري *توت عنخ آمون* كما عرفها الإغريق القدماء وانتشر استعمالها في عهد أبقراط أب الطب اليوناني وامتدّ تداولها قرونا عدة وعرفت في فرنسا القديمة .... وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فأحياها بعد موت ذكرها وطبقها بأصولها وبعد وفاته بأمد مديد نسيت قوانينها فاندثرت ...#
ومن جهة أخرى يحمل مقاله العنوان التالي:
الحجامة ليست شعوذة بل اكتشاف طبي عربي إسلامي يغزو العالم ، وأريد أن أقول له، بصفتي عضوا للجمعية الدولية لتاريخ الطب، أن الصحيح، هو أن كلّ شعوب العالم عرفت ولعلّها تعرف اليوم الحجامة. ولم تكن الحجامة ملكا للعرب والمسلمين ولا الكيّ كذلك، وهو ما اتضح لي بعد أن درست الطبّ التقليدي لعشر سنوات متتالية كتبت إثرها مجلّدين وصنعت 450 أداة طبية منها 130 مكواة، نفخر بوجودها في المتحف الوطني للطب بتونس العاصمة.
وجود مصطلح في المعاجم أو الحديث عنه ليس معناه إيمانا به وبفعله: ولقد كتبت مؤلّفين عن أدوات الكي والحجامة بأنواعها وعن الكي نفسه أي أنني ذكرت الكي والحجامة وأدواتها لأكثر من مائتي مرة باللغات العربية والفرنسية والإنغليزية وحتى اللاتينينة، وناقشت موضوع الحجامة مع من مارس الحجامة في سوريا.
ناقشته مع عميد كلية دمشق التي أقامت مؤتمرا كاملا عن الحجامة، فذكر لي أن هناك من قام ببعض عمليات الحجامة الني أفادت البعض ولكنّها لم تفد بالقدر الذي يفيد دواء نقول أنّه يصلح لمرض كذا أو كذا.
والصحيح أن أيّ مريض ينزعج من الاعتماد على الدواء مدى الحياة إن كان مرضه مزمنا ونضجر من قول الطبيب لعائلة مريض أن لا توجد حاليا أدوية تفيد مريضهم هذا. وهنا، هنا بالذات، تتدخل كل الاستطبابات التي لا تمتّ لعلم دقيق وثابت بالذات، وتدخل حتى الشعوذة وأساطير الأولين وأدوية العرّافين والمنجّمين... وتأتي الحروز والدكازة، والوشق والجاوي...
وخير ما في الأمر أنّ الذي بيده حلّ لمثل المعضلات أن يتقدّم لمؤتمرات علمية طبية، ينشر فيها رأيه، ويوضّح تجاربه بصفة موضوعية، أن يقول أنه استعمل الطريقة على فريق من المرضى يعدّ كذا مريض وقد نفع نسبة كذا من المرضى وأضرّ بنسبة كذا... وأن لغيره أن يجرّب الطريقة وسوف تعطي نفس النسب أو على الأقلّ ما يقاربها. لأن الطريقة العلمية تطبّق بيد الجميع وعلى الجميع. وليس لطريقة ما، إن كانت علمية، أن يستغلّها عمر ولا يمكن أن يفيد بها زيد. وإن كانت الحجامة من نوع ما يمكن أن يستعمله ويستغلّه الدكتور فلان دون غيره، مصريا أو سوريا أو كنديا، فذاك لا يمكن أن يكون علما.
وهذا يذكّرني بتجربة لأستاذي الجليل رحمه الله تعالى وأسكنه جنان الفردوس، تجربة لا يمكن أن أنساها لأنّها علمتني الخيط الفاصل بين ما هو علم وما ليس بعلم. وعلمتني أن أقبل فكر الآخر حتى لو لم يكن عالما. أذكر أنه في بداية مشواري الطبي الجراحي بفرنسا، عرضت علينا المدرسة الصينية موضوع الوخز بالإبر لتخدير المرضى.
وأذكر أن رئيس القسم طلب من الفريق الصيني أن يقوم بتخدير بعض مرضاه. فانتقى الفريق الصينيّ عشرة مرضى. وبعد هذا الانتقاء، وبعد أن تسلّم أستاذي قائمة هؤلاء المرضى، طلب إلى الفريق الصيني أن يقوم بتخدير خمسة منهم فقط. وتمّ فعلا تخديرهم بالإبر الصينية والاستعانة في نفس الوقت بعشر (1/10) الجرعة الكيمياوية الضرورية لتخدير المرضى عادة.
وفي نفس الأسبوع، طلب الأستاذ من طبيب التخدير الفرنسي أن يفسّر للخمسة مرضى المتبقين أنه سوف يقوم بتخديرهم بدواء جديد وأنه يلتمس منهم بعض التعاون... فكانت النتيجة مذهلة جدا، إذ أنه في الواقع تمّ تخدير هؤلاء المرضى الخمس بنفس الجرعة الكيمياوية التي تمّ بها تخدير مرضى الفريق الصينيّ....
والنتيجة أن الأستاذ قبل تجربة فكر الغير، وأن الصينيون اقتنعوا كذلك بطريقة تفكير الآخر. ولم يأت التخدير بالإبر الصينية بنتيجة كافية لتسمح باستعمالها في أوربا بصفة دقيقة وقابلة لأن تستعمل تعويضا للعقاقير ولا أظنّ أن الصينيين حاليا يستعملونها على مرضاهم.
يبقى في اعتقادي، أن الطبيب متفتّح لأية طريقة تفيد مرضاه، حتى وإن أتت من الصين وأن حوار الحضارات يحتّم علينا الحديث مع الآخر بلغة سليمة حتى نمكّنه من تجربة الحجامة والإحجام عنها أو الاستفادة منها.
علينا ألاّ نتقوقع على أنفسنا.
أن نعرض بضاعتنا على الغير، أن نعرضها بصفة علمية مكتوبة لا متستّرة وراء طلاسم لا يفهمها إلاّ بعضنا... ثم بإمكانه أن يحكم لها أو عليها.
علينا أن نشفى من مرضنا النفسي المتمثّل في الادّعاء بأن عيوبنا ومشكلاتنا متأتاة منهم هم، من تفكيرهم هم، من استعمارهم إلينا. لتصبح لدينا قابلية استعمار فضيعة جدا، ومفضوحة.
ليس لنا أن نتصوّر أن الأطباء يرفضون طريقة علاج دون غيرها بغير سبب ومبرّرات.
الطرق العلاجية كلها تختبر في المخابر و أنا أعلم علم اليقين أن المختبرات تختبر كلّ طريقة بقطع النظر عن مأتاها، وأنّ منظمة الصحة العالمية تختبر كذلك كلّ شيء وتبدي رأيها في كلّ شيء.
وهناك أشياء صدرت في المقال وليتها لم تصدر
القول بأن هناك دم فاسد ودم صالح هو من قبيل من لا يفقه في جسم الإنسان شيئا على مستوى أعضائه ودورته الدموية ويمكن لصاحب المقال أن يكون عالما بمواضيع أخرى، ولكنّه مخطئ تماما في ما يقدّم لقراء الجريدة من شباب وغيرهم
الخطر كلّ الخطر في أن نعطي معلومة غير صالحة.
خاصة ونحن أمة تنتمي لمن لقّن العالم درسا في الموضوع. الطبيب ابن النفيس قبل البريطاني هارفاي بعدة قرون، أوضح أن للدم دورة صغرى ودورة كبرى. وأن الدم يعود إلى الرئتين مثقلا بمادة ثنائي أكسيد الكربون. فلا هو دم الحيض ولا الدم الذي ينزل في عملية الحجامة. الدم هو نفسه من القلب عبر أضخم الشرايين وحتى أخر الشعيرات التي يقلّ قطرها عن الجزء من الملمتر. والدم هو نفسه أكان يغذي أنبل عضو أو فروة الرأس أو أخمص القدم.
في تاريخنا الطبّيّ يوجد الغثّ والسمين، كما في الطبّ اليونانيّ والمصريّ، ويوجد الصالح والغير صالح.
علينا أن نوضّح للعالم ما كان وسوف يبقى صالحا، وهو لنا.
وفي حاضرنا أشياء عديدة يمكن أن تصلح بنا وبالغير في نفس الوقت. علينا أن نوضّفها أن نؤطّرها، أن نضعها على المحكّ. فإن كانت من قبيل العلم الصحيح، فلسوف تصحّ في الصين وولاية ألسكا وجنوب أفريقيا وقرية بني خداش. وإن هي غير ذلك، فسوف نبقى لنتباهى بها بمفردنا... نعلّقها شمّاعة على باب الجهل، وهو ما لا يصحّ ولا يليق بخير أمة أخرجت للناس.
الصورة تحمل العنوان التالي:
ما ذنب هذا المريض ذي الثلاثين سنة والذي كان يحمل ورما بالعظم الكتفي الأيمن وقد مرّ بمرحلة الحجامة التي تسببت بمثل استطبابات |أخرى في تأخير عن التشخيص؟